الشيخ علي المشكيني

414

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

فقال عدّة من الأصحاب بالملازمة ؛ « 1 » بتقريب : أنّ الشارع أعقلُ العقلاء ؛ بل هو العقل كلّه ، وهو العقل من خارج ، كما أنّ العقل شرع من داخل ، فلا يُعقل تخالفهما في الحكم ، فما حَكم به أحدهما هو ما حَكم به الآخر بعينه . وذهب عدّة أخرى منهم إلى عدمها ؛ « 2 » لِأنّ وجود الحُسن والقبح في الفعل لا يستلزم جعل الحكم من الشرع ؛ إذ الملاكات من قبيل المقتضيات للأحكام غالباً ، لا العلل التامّة ؛ فربّما يكون وجود الملاك مقارناً لفقد شرط من شرائط جعل التكليف ، أو وجود مانع من موانعه ، فيدرك العقل حسنه وقبحه ؛ لإدراكه الملاك ، ولا يحكم الشارع بوجوبه وحرمته ؛ لأجل الموانع . « 3 » ولهذه الدعوى شواهد في موارد : منها : أفعال الصبيِّ المقارن للبلوغ ؛ فإنّه لا إشكال في أنّ صِدقه في الكلام ووفاءه بالعهد وإنقاذه الغريق وإنجاءه الحريق مشتملةٌ على مصالح تلك الأفعال الثابتة في حقّ البالغين الكاملين ، وأنّ كذبه وخيانته وقتله النفوس وإغارته على الأموال مشتملةٌ على المفاسد كذلك ، فيدرك العقل في هذه الموارد حسنَها وقبحَها ، مع أنّ الشارع لم يلزمه إيجاباً وتحريماً ؛ بل الواجبات في حقّه مستحبّات ، والمحرّمات في حقّه مكروهات ، فأين قولهم : « كلّما حكم العقل بحسنه ، حكم الشرع بوجوبه » ؟ فظهر الإنفكاك بين الحكمَين . ومنها : موارد الواجبات المهمّة عند تزاحمها مع ما هو أهمّ منها ، كالصلاة المزاحمة بإزالة النجاسة ، أو كإنقاذ الغريق المهمّ المزاحم مع الإنقاذ الأهمّ ؛ فإنّه لا حكم إلزاميّ - حينئذٍ - للمهمّ ، مع كونه واجداً للملاك الملزِم ؛ فالعقل يدرك الحسن ، والشارع لا يحكم بالوجوب ، إذن فلا ملازمة بين الحكمَين . ومنها : جلّ الأحكام الواجبة والمحرّمة في بدء حدوث الشرع ؛ فإنّ عدم استعداد العباد - حينئذٍ - للتحريم والإيجاب لقرب عهدهم من الإسلام ، بحيث ربّما كان يوجب

--> ( 1 ) . أصول الفقه ، ج 2 ، ص 293 ؛ دروس في علم الأصول ، ج 2 ، ص 254 . ( 2 ) . الوافية ، ص 171 ؛ الفوائد المدنية ، ص 330 ؛ الفصول الغروية ، ص 337 . ( 3 ) . ولصاحب الكفاية تقريب آخر ؛ انظر : كفاية الأصول ، ص 386 ، وانظر أيضاً : نهاية الأفكار ، ج 3 ، ص 145 ، و 237 .